fbpx

غسان كنفاني… حين تتمثل القضية في رجل

0 55

“يموت الأبطال دون أن يسمع بهم أحد”

 

لا تنطبق هذه العبارة الّتي ذكرها غسان كنفاني في روايته “أرض البرتقال الحزين” على سيرة حياته، فشوارع بيروت تشهد على أكثر من أربعين ألف شخص خرجوا في جنازة الكاتب الفلسطيني بعد اغتياله عام ١٩٧٢.

 

طفولة لاجئة حزينة

 

في التاسع من نيسان/أبريل عام ١٩٣٦، باغت مخاض شديد امرأة فلسطينية حبلى في عكا؛ لدرجة أنّها لم تستطع الوصول لسريرها، وكاد وليدها أن يختنق نتيجة ذلك؛ إلا أنّه قاوم بكل ما يملك مولود من قوة حتى خرج إلى الحياة، كان هذا الوليد هو غسان فائز كنفاني.

 

لم يعلم ذلك الرضيع حينها أن حياته التي ابتدت بالمقاومة ستنتهي بها أيضاً، إذ شاءت الأقدار أنا يلجأ غسان الطفل ذو السنوات الاثني عشر وعائلته إلى لبنان، ثمّ سورية إثر النكبة الفلسطينية، حيث عايش هجوم الصهاينة الأول على عكا، وما كان يتردد عن مجازر دير ياسين وحيفا ويافا على ألسنة أهلها الملتجئين إلى عكا، ذلك ما رسم صوراً قاسية لا تُمحى في ذهن طفل يراقب ويسمع ما يجري.

 

ولعل تلك الليلة التي سبقت خروج أسرة كنفاني في سيارة شحن نحو لبنان وما تلاها من أحداث في رحلة الشتات الفلسطيني؛ هو ما بلور شخصية غسان كنفاني، ورسم الملامح النضاليّة للروائي والصحفي الفلسطيني، وهو ربما أيضاً ما قاربه بعد خمسة عشر عاماً في باكورة أعماله الروائية “رجال في الشمس”، وفيها يصف رحلة هجرة غير شرعية لأربعة رجال فلسطينين في شاحنة هرباً من حياة المخيم.

 

نشأة الكاتب المقاوم

 

بعد لبنان استقرت العائلة في دمشق، حيث أتمّ غسان كنفاني دراسته الثانوية، وكان لافتاً لكل من حوله الهدوء الذي يتمتع به دون أقرانه، ذلك الهدوء حجب خلفه طفلاً متفهماً لكل مشاكل الأهل والوطن وحاملاً لهمومه دون أن يبدي ذلك.

لم تكن الأحوال المعيشية لعائلة كنفاني هي الأفضل في دمشق، إذ لم يحمل الأب من الأموال إلّا النذر اليسير، فقد أنفقها في بناء منزلين بعكا ويافا، الأمر الذي جعل الأسرة ترزح تحت ظروف مادية صعبة، لم تتحسن إلّا بعد أن افتتح الوالد المحامي مكتباً لممارسة المهنة.

 

اقرأ أيضاً شخصيات خلدها التاريخ : جان جاك روسو

 

في هذه الأثناء كان غسان يُبدي تفوقاً في مادتي اللغة العربية والرسم، توّج غسان هذا التفوق بالالتحاق بكلية الأدب العربي بجامعة دمشق، ولم يكتفِ بذلك بل عمل إلى جانب دراسته في تصحيح البروفات والتحرير في إحدى الصحف، كما أُسند إليه تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظم ما عُرض فيه من جهد غسان الشخصي.

 

لم يدم ذلك الحال طويلاً، إذ سرعان ما مالت كفة عواطف كنفاني لجهة ميوله السياسية، فانقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، وانضم لحركة القوميين العرب بتشجيع من جورج حبش أحد مؤسسي الحركة الذي التقاه عام ١٩٥٢.

بداية رحلة الروائي

بعد سنتين من ذلك اللقاء انتقل غسان كنفاني إلى الكويت للعمل بالتدريس، هناك بدأت المرحلة التي كوّنت غسان الكاتب والروائي، إذ كان قارئاً نهماً، وذكر كنفاني عن هذه المرحلة أنه لم يمضِ نهار واحد دون أن ينهي قراءة كتاب كامل، أو ما لايقل عن ستمئة صفحة، فكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة.

كل ذلك جعل لكنفاني بصمة خاصة ظهرت أكثر بكتابته التعليق السياسي في إحدى الصحف الكويتية، تحت توقيع “أبو العز”، وهو مالفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد زيارته العراق إبان الثورة العراقية عام ١٩٨٥، ليصدر بعد فترة أولى قصصة القصيرة “القميص المسروق” التي نال عليها الجائزة الأولى في مسابقة أدبية.

 

بيروت.. ميدان عمل كنفاني

 

عقب انتهاء أعماله التدريسية في الكويت، عاد غسان إلى لبنان وعمل في مجلة الحرية الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة المحرر اللبنانية التي استحدث فيها صفحة للتعليقات السياسية الجادة، وكان يحررها بنفسه مع صحفيين آخرين.

 

ولعل ذلك إحدى الاشياء التي دفعت الصحفي اللبناني طلال سلمان للقول:

“أحفظ لغسان كنفاني أنه أدخلني إلى قلب فلسطين، فقد كنت وجيلي نقف على بابها ونحبها بلسان الشعراء دون ان نعرفها”،

فلا يخفى على أحد أنَّ غسان كنفاني هو أول من نشر لشعراء المقاومة، وكتب عن أشعارهم وزجلهم الشعبي لتعريف العالم العربي بهم، إذ أصبح كتابه “شعراء الارض المحتلة” مرجعاً معتمداً في عدة جامعات.

بعد ذلك انتقل للعمل في جريدة الأنوار، لينطلق بعدها مؤسساً  لمجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي أصبح متحدثاً رسمياً باسمها.

 

غسان الزوج العاشق

 

أتاحت بيروت الفرصة لغسان للقاء تيارات سياسية وفكرية مختلفة، حيث سطع نجمه كصحفي وعامل جاد في صفوف المقاومة الفلسطينية، ما دفع أحد الأصدقاء لأن يرسل إليه مُدرسة دنماركية تدعى آني هوفر مهتمة بالقضية الفلسطينة، وترغب بالاطلاع على تفاصيلها عن كثب، أخذ غسان على عاتقه شرح القضية لآني  وزار وإياها المخيمات الفلسطينية، ولم يمضِ على اللقاء سوى عشرة أيام حتى طلب غسان يدها ، ليعقد قرانهما آواخر عام ١٩٦١، ويرزقا بفاىز وليلى.

اغتيال الكلمة

 

أحد عشر عاماً هي فقط ما عاش غسان كنفاني مع أسرته الصغيرة، إذ لم يحتج لحمل السلاح حتى يؤرق الاحتلال، فوحدها الكلمة كانت كفيلة بذلك، حيث امتدت الأيدي الصهيونية وزرعت عبوة ناسفة في سيارة كنفاني، ليستشهد إثر الانفجار مع ابنة أخته لميس نجم التي كانت رفقته.

ورغم السنوات الست والثلاثين التي عاشها غسان كنفاني إلا أنه أنتج أكثر من ١٨ كتاب تُرجم معظمهم لحوالي ست لغات وتحول عدد منها لأعمال سينمائية وتلفزيونية، ومن أشهر أعماله: عائد إلى حيفا، أم سعد، ما تبقى لكم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.