fbpx

الموشحات الأندلسية… البقاء للأجمل والأعذب!

0 54

أغمض عينيك عزيزي القارئ، وتحضّر لرحلةٍ مع “مليكِ الجمال” ، لكن قبل ذلك عُد معي في التاريخ سبعمئة عامٍ إلى الوراء تحديداً إلى “زمان الوصلِ في الأندلُسِ”، أنت الآن في رحاب قصر بديع العمران، تحيط بك أشجار سامقة وظلال وارفة، يتناهى إلى سمعك خلف خرير ماء النهر صوت عذب يدندن “في ليالٍ كَتَمَتْ سِرَ الهَوى بالدٌّجى لولا شُموسُ الغُرَرِ… مَالَ نَجْمُ الكَأسِ فيها وهَوى مُستَقيمَ السَّيرٍ سَعْدً الأَثًرِ”، أهلاً بك في قرطبة، ما تسمعه هو موشح أندلسي، فبماذا يختلف عن القصيدة؟، وكيف حجز هذا النوع لنفسه مكانةً في الشعر العربي؟

ما هو الموشح؟

 

لم تَقدم المصادر العربية تعريفاً موحداً شاملاً للموشح، واكتفت معظمها بالإشارة إليه إشارة عابرة، فيذكر ابن خلدون في مقدمته “وأما أهلُ الأندلس فلما كَثُرَ الشعرُ في قطرِهم، وتهذبت مناحيه وفنونُه، وبلغ التنسيقُ الغاية استحدثَ المتأخرونَ منهم فناً سموه الموشح ينظمونه أسماطاً اسماطاً، أغصاناً أغصاناً، يكثرون من أعاريضها المختلفة، ويسمون المتعدد منها بيتاً واحداً ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان، متتالياً فيما بعد إلى آخر القطعة”، بينما يوجز حنا الفاخوري تعريف الموشح بأنه “قصيدة شعرية موضوعة للغناء”.

ويمكن استناداً للتعريفات الآنفة اعتبار الموشح فناً شعرياً مستحدثاً، لا يلتزم صناعه بالقواعد الشعرية التي تحكم الشعر التقليدي، فهو متعدد القوافي، قد يستخدم اللغة الدارجة أو العجمية في صنعته، ويتصل اتصالاً وثيقاً بالغناء.

ولعلّ العرب انطلقوا من مبدأ “لكلٍ من اسمه نصيب”، حين اختاروا اسم الموشح، فاللفظة مشتقة من كلمة “وِشاح”، وهي الحلية ذات الخيطين يسلك في أحدهما اللؤلؤ وفي الآخر الجوهر، أو هو جلد عريض مرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحها، والثوب الموشح هو الثوب المزين، لما يزيّن الموشح من قوافٍ منوعة وأوزان متعددة، تواكب النغم وتحاكي الموسيقا.

 

خيوط نسج الموشح

 

لا تقتصر جمالية الموشح على تعدد القوافي والأوزان فحسب، إنما تميزه لغته العذبة وألفاظه الجزلة،و تضفي عليه كثرة المحسنات البديعية رونقاً خاصاً، حيث تكثر التشابيه وتزداد الكنايات، مُستمَدَةً من الطبيعة الأندلسية الخلابة، فالشاعر ابن بيئته والشعر مرآة محيطه.

ولعل تأثير هذه البيئة تخطّى اللغة ليصل لتكوين الموشح نفسه،إذ يبدو أن وحدة وجمود القصيدة التقليدية لم يناسب شعراء الأندلس، فالبيت عندهم هو فقرة كاملة تتألف من أشطار عدة تتوافق مع بعضها في القافية وتخالف الفقرة التالية للموشح الذي يتكون عادة من خمس فقرات.

كما يضم الموشح عادة ثلاثة أقسام دورين وخانة تُلحَن كل منها بلحن مختلف.

ومن أشهر نُساج الموشح: لسان الدين الخطيب، الأعنى التطبيلي وعبادة ابن ماء السماء.

 

حكاية البداية:

 

في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، حطّ موسيقي شاب رحاله في قرطبة، سُحِرالخليفة عبد الرحمن الثاني  بصوته فاحتفى به وأعلى شأنه في بلاطه، لم يعلم الأندلسيون حينها أنّه سيكون لذلك الشّاب الآتي من بغداد إسهامات جليلة في الحضارة الأندلسية في مقدمتها الموسيقا والغناء،هو أبو الحسن الموصلي الملقب بزرياب، إذ يُحسب لزرياب أنّه عمّمَّ طريقة الغناء على أصول النوبة، وكانت هذه الطريقة سبباً في اختراع الموشح، ومن إسهاماته أيضاً أنّه  زاد أوتار العود وتراً لتصبح خمسة، وأدخل على الموسيقا مقامات كثيرة لم تكن معروفة قبله، كما أنّه أول من وضع قواعد تعليم الغناء للمبتدئين.

 

تلقف الأندلسيون هذه التحسينات بإعجاب وتقدير، لا سيما أن البيئة الاجتماعية آنذاك كانت تشهد تمازج الحضارتين العربية والإسبانية، فشاعت العامية اللاتينية كما العامية العربية، وكذلك الحال مع الموسيقا، و كان لا بدَّ من ولادة نوع أدبي جديد يجمع هذه الثنائية، حينها ظهرت الموشحات كانعكاس للحاجة الاجتماعية والفنية.

 

و يذهب بعض الدّارسين للقول بأن الموشّحات تأثرت تأثراً بليغاً  بالألحان السريانية الكنسية و العبرية الحاضرة في الأندلس الّتي جمعت ثقافات عدّة من شتى حضارات الأرض.

أمّا عن أوّل من كتب الموشح فكثرت النّظريات والأقاويل، لكنّ معظم الباحثين العرب كابن خلدون وطه حسين نسبوا إبداع الموشح للشاعر مقدم بن معافر الفريري، غير أنَّ عدم وصول أي أثر شعري للفريري جعل عدداً من الباحثين يميلون للاعتقاد أنّ الشاعر ابن المعتز هو أول من نسج موشحاً، يدعم هذا المعتقد أبيات ابن المعتز الشهيرة:

 

أَيُّها الساقي إِلَيكَ المُشتَكى

قَد دَعَوناكَ وَإِن لَم تَسمَع

وَنَديمٍ هِمتُ في غُرّتِه

وَشَرِبت الراحَ مِن راحَتِه

كُلَّما اِستَيقَظَ مِن سَكرَتِه

جَذَبَ الزِقَّ إِلَيهِ وَاِتَّكا

وَسَقاني أَربَعاً في أَربَع

غُصنَ بانٍ مالَ مِن حَيثُ اِستَوى

باتَ مَن يَهواهُ مِن فَرطِ النَوى

خافِقُ الأَحشاءِ موهونُ القُوى

كُلَّما فَكَّرَ في البَينِ بَكى

 

وأي كان ذا الذي منّت عليه مخيلته بابتكار هذا اللون الشعري أوّل مرة، فلا يُغيّر ذلك من مكانته ولا يَنتقص من جماليته أو يُلغي أنّه لؤلؤة فريدة في عقد الشّعر العربي، لا تزال تتردد على ألسنة المغنيين وتطرب آذان السامعين حتى يومنا هذا، سائلين الله أن “يجود الغيث كما في زمان الوصل الأندلسي”!

 

اقرأ أيضاً الاسمُ الّذي جذبني … سامي الدروبي

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.