fbpx

أدب الرحلات…حين تُبحر على متن كتاب!

0 34

“أَعَزُّ مكانٍ في الدُنى سرجُ سابحٍ   وخيرُ جليسٍ في الأنامِ كتابُ”

صاغ المتنبي هذا البيت حامداً بالخيل والكتاب، فكيف إذا أصبح الكتاب خيرُ جليسٍ وخيرُ فرسٍ؛ يمتطيها القارئ مرتحلاً للبلدان الغائرة والعصور الغابرة، يستنبط خفايا الأخبار ويستكشف خبايا الأسفار، كلُّ ذلك وهو في مكانه لم يكلف نفسه مشقة التّجوال ولا عناء الانتقال!

“رحلة التاجر سليمان” من أقدم نماذج أدب الرحلات

 

ارتحل سليمان التاجر السيرافي -وهو رحالة عربي لم يرد عنه الكثير- مراتٍ عدة إلى الصين والهند، وخلُصَ من هذه الرحلات إلى كتابة مخطوطة فريدة تحت عنوان “رحلة التاجر سليمان”(237هـ/851م) محفوظة اليوم في مكتبة باريس، نقلها عنه أبو زيد حسن السيرافي وأضاف إليها ما جمعه من معلومات عن ألسنة التُجّار والبَحّارة.

 

ينفرد التاجر السيرافي بأنّه أول رحالة عربي أشار إلى الشاي من خلال مخطوطته، حيث يذكر “إن ملك الصين، يحتفظ لنفسه بالدخل الناتج من محاجر الملح، و من نوع من العشب يشربه الصينيون في الماء الساخن، ويباع منه الشيء الكثير في جميع مدنهم، ويسميه أهل الصين ساخ”.

 

كما تتضمن المخطوطة الغرائب التي بصرها السيرافي في رحلته كصفات بحر الصين وأعاصيره وما يسكنه من كائنات كالحوت أو البال، إضافة لطرائف عادات أهل جزر الهند التي يقول فيها “إن لأهلها ذهباً كثيراً، وأكلهم النارجيل، وبه يتأدمون ويدهنون، وإذا أراد أحدهم أن يتزوج لم يُزوج إلّا برأس رجل من أعدائهم، فإذا قتل اثنين تزوج اثنتين، وإن قتل خمسين، يتزوج خمسين امرأة بخمسين قحفاً!”، ويعني بالنارجيل جوز الهند.

 

صياغة التسمية

 

ولعل رحلة سليمان التاجر تلك وروايته عنها، فتحت الباب لنوع أدبي لم يظهر في بدايته تحت مسمى “أدب الرحلات”، وإنما كان يُدرج تحت إطار كتب التاريخ أو الجغرافيا أو السيرة الذاتية أو أدب الاعتراف.

فتسمية “أدب الرحلات” هي تسمية حديثة، جاءت مع دراسات وتصنيفات هذا العصر للأدب، ولا يوجد لهذا النوع تعريف محدد يؤطر حدوده سوى أنه نوع من الأدب يصور فيه الكاتب ما جرى له من أحداث، وما صادفه من أمور أثناء رحلة قام بها لأحد البلدان، أو يُملي مشاهداته ومشاعره تجاه ما سمع ورأى، ويُسطُر ذلك شخص آخر

 

رحلة سلام ترجمان ما بين الواقع والخيال

 

وإن كانت رحلة السيرافي إلى الصين تحمل بين طياتها القصص الغريبة، فإن رحلة سلام ترجمان إلى حصون جبال القوقاز تحوي الأغرب والأكثر إدهاشاً حتماً، حيث يُروى أن الخليفة العباسي الواثق بالله رأى فيما يراه النائم أن السد الفاصل بين ديار المسلمين وديار يأجوج ومأجوج مفتوحٌ، فأرعبه الحلم، وأرسل سلام ترجمان مع خمسين رجلاً لتفقد السد.

 

وقد نقل أبو حامد الأندلسي في كتابه العجائب عن سلام ترجمان ما يشبه الأساطير وقصص الخيال، إذ قال: “وأقمت عند ملك الخزر أياماً، ورأيت أنّهم اصطادوا سمكة عظيمة جداً وجذبوها بالحبال، فانفتح أذن السمكة وخرجت منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر حسنة الصورة، فأخرجوها إلى البر وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح، وقد خلق الله تعالى في وسطها غشاء كالثوب الصفيق من سرتها إلى ركبتها كأنه إزار مشدود على وسطها، فأمسكوها حتى ماتت.”

 

ابن بطوطة.. أمير الرحالين المسلمين

 

ربما يكون أَبو عبد اللّٰهِ محمَّد ٱلطَّنْجِيّ المعروف بابن بَطُّوطَةَ، هو الرحالة العربي الأشهر، والذي لم ينل لقب أمير الرحالة المسلمين عبثاً، إذ أنه قطع في ثمانية وعشرين سنة أكثر من 121,000 كم وهي مسافة لم يقطعها أي رحالة منفرد حتى ظهور عصر النقل البخاري، جال فيها بلاد المغرب والشام ونجد وفارس وصولاً للهند والصين وبلاد التتار، وحين فرغ من أسفاره وعاد إلى المغرب حيث وُلِد، أملى ما خبره وشاهده أثناء رحلاته على محمد بن جزي الكلبي سنة 756، ليُنتِج مخطوطة تُرجمت فيما بعد إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية، بعنوان “تحفة النُظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”.

 

ومما ورد في هذا الكتاب  “ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسناً وتتقدمها جمالاً، وكل وصف، وإن طال، فهو قاصر عن محاسنها”،  ” ثم وصلت إلى مدينة مصر هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد ، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة.”

 

عرفت هذه الفترة الممتدة من القرن الثالث الهجري وحتى القرن السادس، نشاطاً بأدب الرحلات العربي، حيث اهتم المستكشفون والجغرافيون بتسجيل كل ما تقع عيونهم عليه، ونقله إلى أوطانهم، كالمسعودي بكتابه مروج الذهب، والإدريسي صاحب كتابه “نزهة المشتاق في اختراع الأفاق”

 

زهرة عُمر توفيق الحكيم

 

ورغم تراجع أدب الرحلات في العصر الحديث؛ لما شهده من سهولة بالسفر والتنقل وانفتاح على الثقافات والحضارات المختلفة، إلّا أنّ ذلك لم يمنع أدباء عدّة من وصف رحلاتهم وأسفارهم في هذا العصر، ويمكن اعتبار الأديب المصري توفيق الحكيم أحد هؤلاء الكتاب، حيث يصف الحكيم بعدة رسائل باللغة الفرنسية أرسلها إلى صديقه “أندريه” جوانب الحياة في باريس بطريقة روائية قصصية، ترجمها للغة العربية حين عاد إلى مصر ونشرها تحت اسم “زهرة العمر”، ومن تلك الرسائل:

 

“ولقد ذهبتُ أمس (الأحد) إلى اللوفر كعادتي وأنك تعلم لماذا أواظب على الذهاب إلى اللوفر كل أحد، فهذا هو اليوم المخصص للدخول بالمجان، وإني لأنفق طول يومي هناك دون أن أحسّ مر الوقت، بل إني أدركتُ منذ أسابيع خطأ التوزع بين القاعات المتحف في يوم واحد، ذلك شأن المشاهد السريع. أتدري ماذا أصنع الآن يا اندريه؟ إني أخصص يوماً كاملاً للقاعة الواحدة. فأنا لستُ سائحاً متعجلاً، إن طريقة إبراز كل هذه الحياة بالريشة لقريب من طريقة إبرازها بالقلم ”

 

وإلى جانب توفيق الحكيم يبرز عدة أدباء في العصر الحديث أنتجوا أعمالاً تندرج تحت بند أدب الرحلات، كرفاعة الطهطاوي في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، وفيه يصوّر مظاهر النهضة الأوربية حين رافق البعثة التي أرسلها محمد علي باشا للدراسة في فرنسا، وأحمد فارس الشدياق بكتابه المشهور “الواسطة في أحوال مالطة” الذي يسرد فيه عادات وتقاليد أهل مالطة.

فأدب الرحلات مازال قائماً مادامت الرحلة قائمة، وإن تغير الشكل الذي يقدم من خلاله عبر السنين، ليبقى ناقلاً حيّاً لحضارات البلاد وثقافات العباد.

 

اقرأ أيضاً هل قد يُضيع غلاف الكتاب أو الرواية، مجهود سنوات من الكتابة؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.